الاثنين


(1)
لا انسي ما حييت موقف بليغ حمدي اثناء حرب اكتوبر المجيدة فعندما اشتعلت الحرب لم تكن في خطة الاذاعة

عما اغان وطنية جديدة وكان المتفق عليه ان نذيع الأغاني الوطنية الموجودة بالفعل في مكتبة الاذاعة فقط

واتصل بي بليغ تلفونيا وهو ثائر:


- يعني إيه ما نعملش أغاني وطنية جديدة أنا لازم أعمل حاجة لبلدي!

- مش ممكن يا بليغ مش هنقدر نعمل حاجة جديدة حسب التعليمات لأن مفيش ميزانية.

- إزاي أنا ح أتهمك بالخيانة أنا ح أجيلك الإذاعة!

- لكن الأمن مانع حد يدخل!

- ووجدت أمن مبني التليفونية يكلمني :

- الاستاذ بليغ ومدام وردة علي الباب وعايزين يدخلوا لحضرتك!

ونزلت جري لاستقبالهم ووجدت بليغ ثائرا ومصمما أن يستدعي بوليس النجدة ويحرر لي محضر

بتهمة منعه من عمل أغان وطنية خاصة بحرب اكتوبر

وحاولت امتصاص ثورته واتصلت برئيس الإذاعة وقتها بابا شارو واستأذنته في دخول بليغ ووردة

فإذن وصعدنا إلي مكتب بابا شارو الذي أكد لبليغ ما ذكرت له من قبل


واسقط في يد بابا شارو ولم يجد حلا مع بليغ إلا أن يفتح له الاستديو..

وكان أول أغنية يسجلها ( بسم الله) ، ( أنا علي الربابة باغني)..

واذا بجميع الفنانين يتدفقون علي الاداعة طالبين المشاركة ويكتبون نفس الاقرار الذي كتبه بليغ!

(2)

اغنية ( حب أيه ) لها قصة في هذه الفترة أواخر عام 1959 – كانت تربط بليغ علاقة صداقة بشاعر شاب يبحث عن فرصة اسمه

عبد الوهاب محمد॥ وكان بليغ وقتها يحاول هو الاخر ان يثبت وحوده في الساحة الفنية خاصة بعد ان احتضنه كامل الشناوي اعترافا

بموهبته وكان يقدمه لكل المجتمعات وكذلك كتب له مأمون الشناوي ولكن بليغ طول عمره غاوي حاجات غريبة حتي في الحانه ففي

الوقت الذي اعتاد فيه الملحنون أن يقفوا الغنوة باسلوب معين فعل هو العكس فكان يجعل ( القفلة) افتاتحية للغنوة فعل ذلك في العديد

من أغانية مثل ( أي دمعة حزن لا) ويعمل في وظيفة بشركة بترول وشعر الاثنان بنوع من التوحد والجاذبية وكأنا يعتقدان جلسات

عمل طويل فلما كتب عبد الوهاب محمد كلمات ( حب ايه ) وبدأ بليغ في تلحينها احتاروا في أمرها واختلفوا في تحديد المطرب الذي

يغنيها فمن وقتها من المطربين يقبل غناء مثل هذه الكلمات الجريئة والغريبة علي إذان المستمعين ووصل الجد بينهما إلي الاتفاق

علي ركن ) الاغنية والبدء في اعمال اخري وفعلا بدأ في أغان جديدة

في هذا الوقت تعرف بليغ علي الموسيقار محمد فوزي وايقن فوزي بفراسته أنه امام موهبة فذة في التلحين وقرب بليغ إليه واحتضنه

علي ملحنا يحتضن ملحنا ولكن ايمانه بموهبة بليغ جعله ينسي الغيرة وكل نوازع النفس البشرية ويقف وراءه ويساعده وكان فوزي

من أصدقاء أم كلثوم المقربيين رغم أنه لم يلحن لها.. ورتب فوزي سهرة فنية يمع فيها بليغ بالسيدة أم كلثوم وتمت السهرة في منزل

أحد الأطباء المشهورين وقتها دكتور زكي سويدان أحد عشاق ام كلثوم الكبار وجاء بليغ فأمسك فوزي بيده واتجه به ناحية ام كلثوم

قالا في حماس:

- هاسمعك الليلة دي ملحن هايل هيكون له شأن في السنوات القادمة । وكان بليغ يعيش علي طبيعته وسجيته فجلس علي الارض كما

اعتاد عندما يلحن وأمسك بالعود فنظر الحاضرون إالي بعضهم في استغراب ( يعني إيه الملحن اللي قاعدة زي مقرئي القران ده)

ونظرا فوزي الي ام كلثوم وهو يشير بيده بما معناه ( سيبوه علي راحته)


وحكي لي بليغ بعد ذلك قصة هذا اللقاء الغريب الذي كان بداية تعارفه بالسيدة ام كلثوم وبداية انطلاقه الكبير قال لي ( ما أعرفش ليه

لما مسكت العود وبدأت ضبط اوتاره ربنا ألهمني أني أغني ( حب أيه) رغم أني لما رحت السهرة لم تكن في بالي وعندما انتهت من

غناء المذهب لقيت أم كلثوم قاعدة جانبي علي الأرض وسط ذهول الحاضرين ومنذ تلك الليلة وضع بليغ قدمية علي اول سلالم المجد


كانت السيدة أم كلثوم توصيني دائما ببليغ لما كنت في الاذاعة كنا تقوم سنويا باعداد مجموعة من الغاني لنذيعها في صوت العرب في

المنتاسبات الوطنية وكانت ام كلثوم حريصة علي المشاركة فيها وكنت حريصا علي الاستعانة ببليغ في تلحين هذه الأعمال وأذكر في

إحدي المناسبات أن مالت أم كلثوم علي وقالت:

- أنا عارفة أنك بتحب بليغ وأنه صاحبك لكن لا تبددوا طاقة بليغ في الترع والمصارف!!

- حضرتك تقصدي إيه!

- بليغ ده نهر متدفق هادر من الأنغام الجميلة .. سيبوه يعمل أغاني عظيمة لكن الأغاني الوطنية وأغاني المناسبات عندكم ملحنين كتير يعملوها .. بليغ ثروة قومية حافظو عليها ..وحاولوت ما تزعلهوش ابدا!! ولا أنسي مرة كنت أسجل فيها مع الأستاذ محمد عبد

الوهاب في بلودان بسوريا وتطرق الحديث إلي مجموعة الملحنين وقتها علي الساحة وسألته عن بليغ فصمت قليلا ثم قال:


- بليغ ده محظوظ لأن ربنا بينعم عليه بجمل غنائية عبقرية قلما ينعم بها علي فنان كل 50 سنة!

- وأنا لما اختلي بنفسي الاقيني بأدندن وأغني ( زي الهوي يا حبيبي ) لظانها لحن ما يعملهاش غير فنان عبقري لكن بليغ مش حاسس

بقيمة العبقرية اللي عنده وهي دي مشكلته بليغ للأسف بيهدر وقته مع ناس مش مفروض يقعد معاهم ومع أصوات مش مفروض أنه

يلحن لها!


وبحكم صداقتي لبليغ كنت أعرف قصة حبه الكبيرة لابنه الأستاذ عبد الوهاب ( إش إش) وكان عبد الوهاب وجلسنا وتحدثنا في

موضوعات كثيرة وعبد الوهاب ينتظر ان يفاتحه بليغ في ( الموضوع) ولكن " بليغ " ظل يراوغ وبدأت أشعر بغضب عبد الوهاب ولم

استطع أنا ان افاتحه رغم علمي ان " بليغ " لم يتحدث في موضوع الخطوبة من شدة خجله ॥ كان بليغ – الله يرحمه- من أكثر من

قابلتهم في حياتي خجلا وحياء : ولي معه في هذا لاشأن ذكريات لا تنتهي المهم أننا نزلنا من بيت عبد الوهاب دون أن يفاتحه بليغ في

موضوع ابنته .. ورغم ذلك لم تتأثر علاقته بعبد الوهاب الذي كان يعرف طبعه ॥.. وكان يقول لنا:


- اللي يعرف " بليغ " لازم يتعامل معه زي ما هو كده .. مش بالمسطرة والقلم كانت السيدة أم كلثوم تحب بليغ حبا فوق العادة .. وربما كان بليغ هو الوحيد بين الذين لحنوزا لها الذي غفرت له تأخره عن البروفات.

كان موعد البروفه عند أم كلثوم مقدسا وتحسبه بالثانية كانت الفرقة يكتمل عددها في موعد محدد ومعها الملحن فاذا ما أخبروها بضبط الالات وأن كل شئ جاهز تنزل من غرفتها لبدء البروفات ॥ وحدث اثناء بروفات ( بعيد عنك حياتي عذاب) أن نزلت ام كلثوم من غرفتها لتجد الفرقة ولم يجد بليغ ॥ وبعد دقائق اتصل بها تليفونيا:


- أنا جاي في السكة!

وكنت معه ساعتها في مكتبه، ونزلنا وركبنا سيارته متجهين إلي بيت أم كلثوم حيث تجري البروفات وفوجئت به أمام منزلها يقول لي :

- ادخل انت وانا ها أحصلك!!

ودخلت وسلمت وسألتني أم كلثوم:

- بليغ فين :!

- بيركن العربية !

- ومضي اكثر من ربع ساعة ولم يدخل بليغ وخرجت ابحث عن سيارته فلم اجدها وذهبت للسيدة ام كلثوم وعلي وجهي الحيرو وقلت :

- احتمال يكون نسي حاجة في المكتب راح يجيبها .. تسمحي لي أروح استعجله ولكنها رفضت:

- لا خليك هنا ( رهن) طول ما انت هنا لازم ييجي.

وطالت مدن الانتظار واضطررت للانصراف بعد أن تأجلت البروفة وبعد حوالي ساعتين عرفت أنه سافر إلي بريوت وأنه أوصلني لمنزل

ام كلثوم ثم أتجه غلي المطار!! وأيقنت أن أم كلثوم سوف تعاقبه عقابا عسيرا علي هذه ( العملة السودة) التى لم يجرؤ السنباطي أو

زكريا أحمد عليفعلها...

وبعد عودته طلبها في التليفون فلم ترد عليه وكرر الاتصال فلم ترد .. وفي المرة الثالثة ردت عليه وفي صوتها غضب ممزوج بالحنان :

أنا مسمحاك المرة دي .. علشان هتكون اخر مرة تلحن لي !!

وبعد هذه الواقعة التزم بليغ التزاما تاما في مواعيده مع ام كلثوم ولا اعتقد انها تحملت احدا ممكن كانت تتعامل معهم من ملحنين

وشعراء مثلما تحملت بليغ حمدي أن تتلو أم كلثوم كلمات الاغنية قبل الدخول في اللحن ورفضت ام كلثوم قائلة :

ايه الجنان ده !

وازداد تصميم بليغ .. وحاول المؤلف الأستاذ مأمون الشناوي أن يقنعها بوجهة نظر بليغ:

أنتي عارفة أن بليغ عنده ( حته جنان) وأنتي بتحبي فيه الجنان ده ॥ ليه ما تجربيش التجربة دي؟! واستفتت ام كلثوم عددا ممن تثق

في رأيهم وكنت منهم فأبديت موافقة علي وجهة نظر بليغ وقلت:



- أنا حاسس أن المقدمة دي هيكون لها طعم تاني!

ومع ذلك ظلت ام كلثوم علي ترددها وكاد بليغ يفقد اعصابه وتوترت العلاقة بينهما وفي النهاية أجابته أم كلثوم لما طلب وسجلت كلمات الأغنية بصوتها وجاءت من أجمل وأروع ما يمكن।


الاستاذ / محمود عوض ونظارة بليغ حمدي

عندما يستيقظ الكاتب الكبير محمود عوض من نومه فإن أول شئ يفعله هو أن يتجه إلي أنترية شقته وتحديدا إلي منضدة صغيرة عليها
أوراق وصحف مبعثرة ويأخذ من بينها " جوابا" جلديا جميلا ويسمح " الغبار من فوقه ثم يضعه مكانه في رفق .. ويكرر هذه الحكاية
كل يوم.
ويفسر محمود عوض سر هذه العادة الغريبة فيقول:
- هذا الجراب خاص بصديقي الموسيقار الراحل بليغ حمدي نسيه عندي في اخر زيارة لي في بيتي وكانت قبل سفريته الاخيرة إلي
باريس حيث اقام هناك سنوات طويلة يومها كان بليغ إنسانا اخر غير الذى أعرفه ॥ تبدوا علي وجهه الكأبة والمرارة وطبقة سميكة
من الحزن .. وبمجرد أن دخل من باب الشقة بادرني قائلا وهو يكاد يصرخ:
- شفت يا محمود اللي بيحصل .. عايزين يدبحوني .. مش كفاهم إنهم سرقوا أحلامنا وذكرياتنا .. وظل بليغ واجما طوال الجلسة .. شاردا لا يتكلم .. كان يشعر بالظلم الواقع عليه بعد اتهامه في قضية " سميرة مليان" أحس أن هناك من يحاول ذبحه علي شئ لم يرتكبه .. واستطيع أن أقول إن هذه القضية هي التي عجلت بنهاية بليغ وأنه " مات " يوم إدانته ويضيف محمود عوض :
- يا بليغ استني خذ جراب نظارتك
فقال :
- خليه عندك للمرة الجاية هو أنا هأروح فين!
بعدها اضطر بليغ إلي مغادرة القاهرة وظل يتجرع المرارة حتي عاد بعد براءته .. ولكنه عاد حطام إنسان ورحل بعد أسابيع قليلة .. ومنذ الزيارة الاخيرة وأنا أضع الجراب أمامي علي هذه المنضدة حتي أتذكر .. أتذكر الصديق الذي ذبحوه بلا رحمة..
- وبعد أن تضيع المرارة من الحلق أنا الأخر سوف أكتب عنه .. لعلي أنصفه .. أو أرد دينا في عنقي لصديق عزيز عرفته عن قرب.

Leave a Reply

Subscribe to Posts | Subscribe to Comments

- Copyright © بليغ حمدي - Skyblue - Powered by Blogger - Designed by Johanes Djogan -